صديق الحسيني القنوجي البخاري
599
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَما أَغْنى أي لم يدفع عَنْهُمْ شيئا من عذاب اللّه ما كانُوا يَكْسِبُونَ من الأموال والحصون في الجبال أو من الشرك والأعمال الخبيثة . أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحاب الحجر : « لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم » « 1 » وأخرج ابن مردويه عنه قال نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم باهراق القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم فلا تدخلوا عليهم » « 2 » . وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا متلبسة بِالْحَقِّ وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح ، ولذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم وارشادا لمن بقي إلى الصلاح ، وقيل المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته كما في قوله سبحانه : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ] وقيل المراد بالحق الزوال لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائل . وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ وعند إتيانها ينتقم اللّه ممن يستحق العذاب ، ويحسن إلى من يستحق الإحسان ، وفيه وعيد للعصاة وتهديد ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يصفح عن قومه فقال : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ أي تجاوز عنهم واعف عفوا حسنا ، وقيل فأعرض عنهم إعراضا جميلا ولا تعجل عليهم بالانتقام وعاملهم معاملة الصفوح الحليم . قال عليّ : الصفح الجميل الرضا بغير عتاب ؛ وعن ابن عباس مثله وعن مجاهد قال : هذه الآية قبل القتال : وعن عكرمة مثله ، يعني هذا منسوخ بآية السيف وفيه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 53 ، ومسلم في الزهد حديث 38 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 17 ، وتفسير سورة 15 ، باب 2 ، ومسلم في الزهد ، حديث 39 .